أحمد بن محمود السيواسي
68
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها زوجة زكريا ، وإذا طهرت عادت إلى المسجد . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 17 إلى 18 ] فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) ( فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً ) أرخت من أدنى مكان أهلها سترا تستتر به منهم ( فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا ) أي جبرائيل ( فَتَمَثَّلَ ) أي تشبه ( لَها بَشَراً سَوِيًّا ) [ 17 ] يعني أتاها الملك في صورة آدمي شاب أمرد حسن الوجه سوى الخلق ، أي لم ينتقص من الصورة البشرية شيئا لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه وكان تمثله كذلك ابتلاءلها وسبرا لعفتها ، قيل : قام جبرائيل بين يديها في صورة ترب لها اسمه يوسف من خدم بيت المقدس « 1 » ، فثم قالت ( قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ ) يا شاب ( إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ) [ 18 ] أي ممن يتقي اللّه ويخشاه ويعطيعه فلا يقربني « 2 » ، وإنما قالت ذلك لأن التقي يتعظ باللّه ويخاف ، والفاسق يخوف بالسلطان والمنافق يخوف بالناس . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 19 إلى 20 ] قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) ( قال ) جبرائيل ( إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ ) بأمره ، وقرئ « ليهب » « 3 » ، أي اللّه لك ( غُلاماً زَكِيًّا ) [ 19 ] أي ولدا طاهرا ليقارن ذنبا مدة حياته . ( قالَتْ ) مريم لجبرائيل ( أَنَّى ) أي من أين ( يَكُونُ لِي غُلامٌ ) أي ولد ( وَ ) الحال أني ( لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ) أي لم يقربني زوج يقال في النكاح مس وفي السفاح زنا أو فجر أو خبث ( وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ) [ 20 ] أي فاجرة تبغي الرجال ولم تقل « بغية » لأنها وصف غالب على المؤنث كحائض . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 21 ] قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 ) ( قالَ ) جبرائيل الأمر ( كَذلِكِ ) أي كما قلت لك أو كما « 4 » قلت أنت ( قالَ رَبُّكِ هُوَ ) أي خلقه بلا فحل ( عَلَيَّ هَيِّنٌ ) أي يسير لنبين به قدرتنا ( وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً ) أي علامة على قدرتنا وبه « 5 » عبرة ( لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ) أي نعمة على الخلق ممن آمن به ( وَكانَ ) خلق عيسى ( أَمْراً مَقْضِيًّا ) [ 21 ] أي محكوما بوقوعه لا محالة ، قيل : آنست به فنفخ في فرجها « 6 » أو في جيب درعها « 7 » أو في كمه « 8 » ، وقيل : نفخ من بعيد فوصل النفخ في بطنها « 9 » . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 22 ] فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ( 22 ) ( فَحَمَلَتْهُ ) أي حملت عيسى في بطنها عقيب النفخ يدل عليه فاء التعقيب ويشهد عليه ما روي : « أن مدة حمله كانت ساعة » « 10 » ، أي كما حملته وضعته ، وقيل : ثلاث ساعات « 11 » ، وقيل : أكثر منها « 12 » ( فَانْتَبَذَتْ بِهِ ) أي انفردت بما هو في بطنها من الحمل ( مَكاناً قَصِيًّا ) [ 22 ] أي بعيدا من أهلها وراء الجبل أو وراء الدار وإنما بعدت لئلا تعير بولادتها من غير زوج ، قيل : كانت بنت عشر سنين وقد حاضت قبل ذلك حيضتين « 13 » .
--> ( 1 ) قد أخذه عن الكشاف ، 4 / 5 . ( 2 ) ويخشاه ويعطيعه فلا يقربني ، ح : وتخشاه وتطيعه فلا تقربني ، وي . ( 3 ) « لأهب » : قرأ البصريان وورش وقالون بخلف عنه بياء مفتوحة بعد اللام ، والباقون بهمزة مفتوحة في مكان الياء وهو الوجه الثاني لقالون ولحمزة في الوقف عليه تحقيق الهمزة وإبدالها ياء خالصة . البدور الزاهرة ، 198 . ( 4 ) كما ، وي : - ح . ( 5 ) وبه ، و : به ، ي ، - ح . ( 6 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التفسيرية التي راجعتها . ( 7 ) عن ابن جريج ، انظر القرطبي ، 11 / 91 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 614 ؛ والكشاف ، 4 / 5 . ( 8 ) هذا الرأي مأخوذ عن القرطبي ، 11 / 91 . ( 9 ) قد أخذه عن البغوي ، 3 / 614 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 5 . ( 10 ) عن بن عباس ، انظر البغوي ، 3 / 614 ؛ والكشاف ، 4 / 6 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 321 . ( 11 ) أخذه عن الكشاف ، 4 / 5 - 6 . ( 12 ) اختصره المفسر من البغوي ، 3 / 614 . ( 13 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 3 / 614 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 6 .